الشيخ محسن الأراكي
31
نظرية الحكم في الإسلام
الحاكمة فلا يكفي فيها شرعية الإرادة التي تصدر عن السلطة ، فإنّ « إرادة السلطة » هنا لا يقصد بها : الإرادة التي ينبع عنها سلوك أصحاب السلطة - بها هو سلوك شخصي لهم - ، بل المقصود بها : الإرادة التي تلزم الإرادات الأخرى بسلوك معيّن ، وتفرض عليها الانقياد لها ولقراراتها والقوانين التي تسنّها . ولا يكفي في شرعية الإرادة الحاكمة ( الملزمة للإرادات الأخرى باتّباعها والانقياد لها ) أن تكون الإرادة المتبوعة منسجمة في نفسها مع موازين الحقّ ، بل تحتاج في شرعيتها إلى عامل آخر يضفي الشرعية على صفة الإلزام فيها ، وذلك : أوّلا : لأنّ الإرادة التابعة ( إرادة أعضاء المجتمع ) قد تختلف مع الإرادة المتبوعة ( إرادة السلطة ) في فهمها لموازين الحقّ والعدل التي توجّه السلوك الإنساني ويتمّ تنظيم العلاقات الاجتماعية وتوجيه السلوك الفردي والاجتماعي على أساسها ، فما الذي يبرّر للإرادة المتبوعة أن تفرض على الإرادة التابعة وجهة نظرها الخاصّة في مبادئ الحقّ والعدل التي يتمّ على أساسها تنظيم العلاقات الاجتماعية وتوجيه السلوك الإنساني ، وإدارة شؤون المجتمع ؟ ! وثانيا : هب أنّ الإرادة المتبوعة ( إرادة السلطة ) والإرادة التابعة ( إرادة أعضاء المجتمع ) لم تختلفا في قضايا العدل والحقّ التي ينبغي أن يتمّ على أساسها تنظيم العلاقات وتوجيه السلوك ، غير أنّ الإرادة التابعة كيف يتسنّى لها أن تثق بالتزام الإرادة المتبوعة بتطبيق تلك الموازين على قراراتها ومواقفها ؟ وما الذي يبرّر للإرادة المتبوعة أن تلزم الإرادة التابعة بالانقياد لها ؛ إن كانت الإرادة التابعة تشكّ في تطبيق الإرادة المتبوعة لموازين الحقّ والعدل ؟ ! وثالثا : هب أنّ الإرادة التابعة والإرادة المتبوعة لم تختلفا في موازين العدل والحقّ ، وأنّ الإرادة التابعة انقادت للإرادة المتبوعة في فهمها لموازين الحقّ والعدل ، وفي طريقة تطبيقها لتلك الموازين ؛ لكنّ الذي يبقى هو السؤال عن المبرّر الذي سوّغ للإرادة